القائمة الرئيسية

الصفحات




وأقبل في أفغانستان على الحياة السياسية فاشترك في الحكم ، وزاد خبرة بما عرف من ممارسته وتقلباته ، حتى انتهى إلى منصب أكبر المسئولين عن الحكم في إمارة أفغانستان على عهد أميرها محمد أعظم خان ، إذ أصبح وزيره الأكبر في كابل ، فوقف على دخائل الدسائس الاستعمارية ، وشهد من خراب الذمم وخيانة الأمانات ما زاده إدراكاً لحقائق الأدواء التي نزلت بالعالم الإسلامي من فساده الداخلي الذي جر إليه التسلط الخارجي ، وبعد أن خاض تلك التجارب وتولى تلك الدولة خرج السيد جمال الدين سنة 1285هـ قاصداً الهند مرة أخرى ، فلم يسمح له بطول المقام فيها ، وقصد منها مصر فلم يقم فيها أكثر من أربعين يوماً ، تردد فيها على الجامع الأزهر واختلط بكثير من طلبة العلم ورواد الأدب ، وسافر من مصر إلى الآستانة فظهر فيها علمه وفضله ، وهي قلب العالم الإسلامي ، وقابله فيها من الأذى والدس ما لم يسلم منه ذو قيمة من الوافدين على العاصمة العثمانية ، وأرغم على الخروج من الآستانة سنة 1288هـ فعاد إلى مصر ، وأقام فيها هذه المرة ثماني سنين ، كانت هي طور بروز حكمته ومعرفته ، والإصداع بدعوته في الإصلاح الديني ، بما لها من أثر جديد في توجيه تفسير القرآن.
فقد كان عمله طيلة الثمان سنين التي أقامها بمصر ، بعث ما كان مهجوراً من مواد الثقافة الإسلامية وطرائقها بتدريس الكلام والحكمة والرياضيات وتحريك مثارات المباحث ، وفتح مسالك النظر وتهيئة فرصة التقرير والتحرير وصقل ملكاتها بالنقد والمران ، كانت حياته مدة إقامته بمصر حياة حكيم صوفي زاهد متواضع ، أقام كما يقيم الوافدون من عامة العجم في " خان الخليلي " وبدأ يتصل بطلبة الأزهر ويشيع ذكره بينهم فيغشون بيته ويجاذبونه أطراف الحديث فيجدون عنده رأياً وعلماً ومقدرة ما كانوا يفرضون توفر نصيب منها لأكبر من يشار إليه يومئذ بالعلم.

تعليقات